هشام جعيط
329
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
البصرة بتخطيط يخصهم . يحتمل كثيرا أنهم سبقوا أهل الكوفة في مدة تقع بين سنتي 16 و 17 ه / 637 - 638 . وما ينبغي تسجيله خاصة هو الفرق بين ظروف الإقامة هنا وهناك ، والفارق الدلالي الكبير بين هاتين الظاهرتين . كان جيش الفتح موجودا في الكوفة التي كانت ترمز إلى تجربة الاستيطان العربي في بلاد الرافدين ، بالنسبة لعمر . وقد توفرت لهذا الجيش أرض مفتوحة تستدعي التنظيم مع ما يشمل ذلك من ابتكار وتهيئة واستيعاب للتجارب الواردة بالمحيط . وكانت البصرة ثمرة لعفوية لم يجر السيطرة عليها تماما ، وثمرة لعمل إضافي ثانوي في البداية ، وثمرة رغبة في الهجرة بأقل التكاليف . فكانت إذن محتشمة ضعيفة المدى واستفادت من الانتصارات التي ترتبت عن خوض معارك كبرى وقعت بمركز القرار في بلاد بابل . كانت هناك لحظتان واضحتان في ظهور البصرة : فترة إقامة مؤقتة سنة 14 ، بعد وقعة البويب مباشرة ، وفترة إقامة دائمة مصحوبة بالتخطيط والبناءات ، بعد سنة 16 ه / 637 « 1 » . لكنه كان تخطيطا منقوصا حتما ، وهو ما يفسر فيما بعد اتساع أعمال التحوير والتشييد التي أمر بها زياد . ولا شك أنه أخذا بوجهة النظر هذه ينبغي الاحتفاظ بالأسبقية في التخطيط للكوفة أو على الأقل على كثافة أعظم في الدلالة ، وحتى تخطئة الموازاة أو التوأمة بين المصرين في هذه المرحلة الأولية . ومن الممكن أن التقليد التاريخي العربي قد أسقط على وضع مختلف صورة الكوفة الأولية والصورة التي أضحت عليها البصرة بعد ذلك . وعلى كل ، فقد اتصفت الكوفة من أول وهلة بصفة المدينة ، أو أن تخطيطها على الأقل ، أكد طموحها لذلك لأن أهل الكوفة قاموا بحربهم ، فجنحوا إلى الحياة المدنية . أما البصرة فباستثناء الغارات الأولى التي وقعت في مرحلة الخريبة ، فقد كان عليها أن تشن حربها ( في خوزستان ) لتربح سلمها وتدعم وجودها . فما أعوز نشوؤها من صفات العز التي توفرت للكوفة - النموذج التمصيري والتنظيم الجبائي العسكري وكبرياء السابقة - عوضت عنه بأن كانت مكانا للمبادرة والخلق والتماسك الذي استحقته بقدر ما منحته . لقد بقيت الكوفة حبيسة نشأتها المنظمة جدا ، والمرتبطة كثيرا بالحرب والحكم . وبفضل عفويتها الأولى ، حصلت البصرة على قدرة كبيرة على التطور ، ونزعة عميقة إلى السلم الداخلي . الكوفة وواسط : سبق أن قلنا أن غرابار أقام صلة أساسية بين الكوفة وواسط وبغداد ، فلفت بذلك نظر الباحثين إلى أهمية العمارة الأموية بوادي الرافدين وحتى إلى دورها النموذجي لا في الاتجاه الأموي - العباسي فقط حيث طرح الاستمرارية ، بل أيضا في الاتجاه الفضائي العراق -
--> ( 1 ) ذاك هو الأمر الذي لم ينتبه إليه صالح أحمد العلي ، التنظيمات ، ص 36 .